2008-06-17

من المسئـــول عـن متاعـب ســارة ؟؟

مأساة سارة
أثناء سفري لإحدى مدن الشرق عبر سيارة أجرة خضت في النقاش مع أحد المسافرين
و أنت تتحدث إليه تلحظ في كلامه و شخصيته الكثير من التواضع و الأناقة و الاحترام
كنا نصغي لهذا الرجل و قد طلب النصح و التوجيه بخصوص فلذة كبده سارة و هي
طالبه في الثالثة متوسط تبلغ من العمر 14 سنة تعاني متاعب صحية .
والد سارة و بإيجاز يقول :
منذ نحو 5 أشهر سارة ابنتي ينتابها حالة إغماء ليست حالة صرع يضيف الوالد
و لكنها ينتابها نوع من التوتر العصبي ثم حالة تعرق و خفقان في القلب تفقد على
إثره وعيها ، يضيف الوالد ما يحيرنا أنها أثناء النوبة تبدو كشخص عادي في حالة
نوم و دون وعي منها و هي ترفع يدها اليسرى و تحرك إصبعها و تردد كلمة أستاذ – و تكرر أستاذ ثم تخفض إصبعها و بعد لحظات تراها من جديد تقول كراسي منظم أستاذ كراسي منظم جيد جدا ؟؟؟
حالة سارة المرضية أو غيابها عن الوعي تدوم نحو 10الى 15 دقيقة ثم تعود لوعيها و في كامل قواها و كأن شيئا لم يكن و كل ما تتذكره أنها تحس بحالة قلق فجائي تعقبه ما يشبه دوامة إعصار تأخذها في نوم عميق ؟؟
هذا الوالد يضيف أنه ذات مرة في نزهة لإحدى مدن الساحل عند أقاربي صادف أن انتابتها الحالة أثناء حفل تخرج ابن عمتي حيث التف أهل الدار حولها و هم في حالة ذعر ، بعضهم كان يضع كمادات على رأسها و صدرها و البعض أتى بالماء و بالعطر و البعض أتى بمفتاح واضعا إياه في راحة يدها في حين كانت هناك عجوز شرعت تغني في أذنها و تنتف بقوة في مستوى أنفها بينما زوج العمة مسك بالهاتف ليطلب الإسعاف في هذه اللحظات الحرجة التي كانت أشبه بحالة طواريء و استنفار عن نشوب حرب أو ثورة بركان كانت سارة في حل من وعيها لكنها كانت تصدر بكاء يقطعه
موجات زفير و شهيق قوية و هي تقول { أستاذة من فضلك أعطني نقاطي ، ثم تقول أنا أعرف أكتب على السبورة أحسن منكم } و هنا توقف الوالد و قال عبارات كثيرة و كثيرة كانت ترددها سارة لها علاقة بالمدرسة أو بالأساتذة أو بالمراقبين كلما
انتابتها حالة الإغماء .
سألت الوالد عن معدل ابنته سارة فأجابني معدلها في كل فصل لا يزيد عن 15 و لا يقل عن 13 لكن أبناء الجيران الذين هم في مستواها يصل معدلهم إلى 17 أو 18 لكن ابنتي سارة هي من تنجز لهم بعض واجبا تهم العسيرة خصوصا في المسائل و التمرينات المعقدة التي يعجزون عن حلها .
الحوار الذي دار بيني و بين والد سارة ما زال طويلا و عميقا و لكن احتراما و رفقا بالقارئ الكريم أعرج للخلاصة :
مأساة سارة المسكينة ختم الوالد قصتها بطلب النصيحة هل يأخذ ابنته إلى من يعالجها بالرقية أم يأخذها إلى طبيب أعصاب كي يصف لها دواء تشربه أثناء حالة الإغماء
يا الهي ماذا يحدث في مجتمعنا و أسرنا خلف الستائر و الأضواء !
يا الهي هذه حالة واحدة وقفنا عليها بالصدفة ، نخشى أن تكون واحدة من مليون حالة في عمق مستورنا الذي لما خف وزنه تعرض لقانون الطبيعة كي تطفو أشلاءه على السطح ؟؟
يا الهي ماذا يحصل في هذا الكون طفلة تتعذب و والدها يتألم ؟؟
لست محللا نفسانيا و لست طبيبا في علم النفس الإكلينيكي و لن أسمح لنفسي كي أتعدى حدودي أو أحشر نفسي فيما ليس لي فيه من أهل الاختصاص .
لكن على ضوء ما تلقيناه من دروس و تطبيقات في التربية الخاصة و علم النفس يوم كنا طلبة في معاهد التخرج كأساتذة و بحكم خبرتي المتواضعة في سلك التربية و التعليم أرى أن الطالبة سارة تحمل في جهازها الفكري أو في نسيجها الدماغي كل ما تلقته في محيط المدرسة من تجارب و معاملات مع زملائها و أساتذتها و إدارة المدرسة عن وعي و إدراك بما في ذلك السلوكات أو التجارب أو المعاملات التي لا ترغبها أو ترفضها أو لا تطيقها .
سارة لم تخبر والديها بما يحصل لها في المدرسة و ان أخبرتهم فلم تقل سوى القليل الذي تتحكم فيه بوعيها .
سارة حصلت لها تجارب و إشكالات في المدرسة أتعبتها كثيرا و ربما سعت لتجد لها حلا فلم تفلح ففضلت أن تقوم بدفنها في عمق اللاوعي . سارة صاحبة الخط الجميل و الكراس النظيف و التمرينات المنجزة بدقة و عناية لم يصحح { بظم الياء } كراسها إطلاقا .
سارة تطرح أسئلة ذكية عقب كل درس فتقمع تارة و تارة تتعرض للأستهتار و الضحك داخل الفصل فأصبحت تتردد في طرح الاسئلة التي معظمها دفنت في لا وعيها
سارة أحست بأن نقاط محصولها الدراسي قد سرقت منها من أقرب من تثق بهم و لم تتاح لها فرصة مراجعة طلبها أو تبرير سبب اختزال نقاط جهدها و تفوقها .
سارة حرمت من تسجيل الاستنتاجات على السبورة كي ينبهر زملاؤها بخطها المميز و سرعتها في الكتابة ، حاولت بل سعت و لكن الحظ كان في صالح من خطهم رديء ليفوزوا بثقة الأستاذ و من ثم بالكتابة على السبورة دون الالتفات لرفع يدها عاليا !
الدليـــل
سارة في حالة وعيها عادية جدا لا تعاني شيئا و من الصعب أن تلاحظ عليها ما تعانيه من كبت ، لكن عند حدوث حالة الإغماء فإن الرقيب و الحارس الأمين الذي نسميه { الوعي } لم يعد موجودا و العلم يقول أنه في سبيل حياة سارة فضل دماغها أن تذهب دمائه إلى القلب مركز الحياة { أي تعيش سارة بدون وعي أثناء أزمتها أفضل من أن تموت بوعيها }
في هذه اللحظات و لكي تستمر سارة في حياتها صارت تتصرف بدون وعي و من ثم أخرجت مخزون متاعبها و آلامها و تعاستها فقد كانت ترفع إصبعها و لا أحد يستجيب لسؤالها من الأساتذة و كراسها جميل و أعمالها منجزة و لكن لم تثمن ؟ خطها جميل و أسرع لكنها حرمت من ابراز شخصيتها و تفوقها أمام زملاء الفصل ؟
إذن في غياب الوعي قالت سارة ما لم تستطع قوله في حضور وعيها !
نخلص في الأخير بأن تواجد المرشد النفسي و الطبيب المختص في علم النفس عبر مؤسساتنا خصوصا التربوية منها له أكثر من أهمية و ضرورة و إن إصلاح المنظومة التربوية ينتظر أن يأخذ بعين الاعتبار مقعد المحلل النفساني الذي لا يزال شاغرا عمدا أو عن جهل و الويل اذا تمادينا في التغاضي عما تلاقيه أجيالنا من متاعب نفسية سندفع ثمنها غاليا اليوم و غدا و بعد غد

لنا لقاء مع موضوع أخــر

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

شكرا لك يا سيدي الفاضل على ما تفضلت به عن محنة و متاعب الطالبة سارة ، و الواقع هذا يعكس متاعب المدرسة الجزائرية

شكرا لك
الربيـــــع/ قسنطينة

غير معرف يقول...

رد على تعليق غير معرف
شكرا على المشاركة و دمت من قراء مدونتي الاوفياء